علينا أن نقرأ هذا الكون ونحن نتدبر آيات خالقه وكتابه الذي ختم به رسالاته إلى الأرض... إنه استفسار جاء بكل البساطة والعظمة والتفضل والمن معاً.. إنه إعلان أنه هو الله الذي أدار ويدير هذا الكون بحكمته وهذه الموارد بعلمه و قدرته... هو الذي أراد أن يجعلهـا هكذا.. و كلمة جعل تفيد أنه لم يخلقهـا فقط ولكن رحمته وعنايته تهديهـا و تسيرهـا فى كل لحظة وكل حركة و سكنة... بحيث تكون معيناً لا ينضب، و قد وجهنـا الخالق فى هذه الآية و بهذا الاستفسار أن نرى كيف انتظمت واهتدت هذه الأرض بحيث تكون كفاتا ، أحياء أو أمواتا ... فتعال ننظر كما تنص الآية الكريمة كيف صارت الأرض معينا كافياً ومحتضنا طوال ملايين السنين لكل هذه المليارات من البشر ومليارات المليارات من الحيونات والحشرات والأسماك والطيور والنباتات والمكيروبات و .و. .. ... تعالوا أولا ننظر كيف توفر الأرض للأحياء عليهـا احتياجهم من الغذاء بعناصره والماء بعذوبته لاستمرار بقائهم.. لننظر أولا ما هي العناصر المطلوبة لبقائهم...
إن إنشاء أجسامنا قد جاء من الطين اللازب الذي الذي خلق الله منه آدم أبو البشر، ويتكون هذا الطين من الماء والتراب، و الماء يمثل حوالي 83 % من جسم الإنسان ، ثم تدخل عناصر التراب ومنهـا الكربون والنيتروجين والكالسيوم والفوسفور والكبريت والبوتاسيوم و الصوديوم و المنجنيز بالإضافة إلى 10 عناصر أخرى بكميات محدودة منهـا النحاس والحديد والكوبالت والزنك، و أكثر العناصر انتشارا فى الجسم هو غاز الأكسيجين ويمثل أكثر من 65 % من كتلة جسم إنسان، حيث أن الماء المنتشر فى أجسامنا يتكون من اتحاد هذا الغاز مع غاز الهيدروجين، و يمثل غاز الأكسيجين عنصراً هاماً أيضاً فى الهواء الذي نتنفس به، حيث يمثل نسبة 23 % من وزن الهواء، و هذه المكونات قاسم مشترك أيضـا فى معظم أعضاء المملكة الحيوانية والنباتية .. أي معظم الأحيـاء، ويعد النبات الثمار التي تحتوى على جميع المعادن و المواد التي يحتاجهـا معظم الأحياء و منهم الإنسان فى غذائهم ونموهم وحركتهم ، وهذا بما يمتصه النبات من القشرة الأرضية ومن الهواء ... وقد أعد الله كل هذه العناصر والمكونات فى القشرة الأرضية التي نحيا عليهـا وفى الغلاف الذي يحتضنهـا ويسميه العلماء الغلاف الجوى أو الأرضي... إن هذه القشرة الأرضية التي تحتوى جميع هذه المعادن التي تقوم عليهـا حياتنا، لا تمثل أكثر من قشرة بيضة من بيض الطيور، إذا تخيلنا الأرض فى حجم هذه البيضة، حيث لا يزيد سمكهـا عن 0.4 % من قطر الأرض، فتصل أعماق القارات التي نحيا عليهـا إلى 35 كم فقط، وتضم 8 عناصر أساسية منهـا الأكسيجين و السيليكون و الكالسيوم والصوديوم و الحديد، وتضم بندرة شديدة بعض العناصر الأخرى مثل الكربون والفوسفور والكبريت و جميع العناصر الأخرى التي يتكون منهـا جسم الإنسان، و تتغطى القشرة الأرضية بالمياه والرمال و التربة، و على أي أعماق تحفر فى هذه القشرة فلن تجد سوى الصخور، ويحيط بهذه القشرة كما ذكرنا الغلاف الجوى الذي يمتد إلى أكثر من 10 كم، وقد وجدت أنواع من الحياة وخاصة للكائنات الدقيقة أو الميكروبية حتى عمق 9 كم تحت سطح البحر وحتى ارتفاع 6 كم فوق سطح البحر، و هناك طيور تهـاجر على ارتفاع أكثر من 8 كم فوق سطح البحر فى غلاف الأرض.

و تنحصر حياتنا على هذه القشرة الأرضية بصخورها ومائها ورمالهـا وترابهـا وعناصرها وداخل هذا الغلاف الجوى بهوائه و سحبه و رياحه.. هذه المنطقة المحدودة تضمنا و تكفينا بمواردهـا المحدودة.. إنهـا موارد محدودة فى منطقة محددة من قبل رب رحيم كي تكون الرحم الذي يضمنا.. ولا مكان لنـا فى الكون سوى هذا الرحم الذي هيأه لنـا الرحمن الرحيم بنـا والذي أراد أن يجعل هذه الأرض لنا كفاتا.. أحياء و أمواتـا ... كيف لا تنضب هذه العناصر بالرغم من استنفاذها ملايين المرات خلال ملايين السنوات التي عاشتها الأرض بحيواناتهـا ونباتاتهـا و طيورهـا و سكانهـا... إن من يقرأ هذا الكون سيرى أن كل عنصر من هذه العناصر له موارد محدودة.. وهي عناصر مطلوبة فى تركيب ونمو وحركة وطاقة كل إنسان أو حيوان... فكيف تكفى هذه الموارد كل هذه الأعداد دون أن تنفذ... لقد أعد الخالق لكل عنصر من هذه العناصر دورة تبدأ من الصخور الجيولوجية فى قشرة الأرض والهواء الجوى إلى النبات لإعداد ثماره إلى غذاء الأحياء وأجسادهم ثم إلى فضلاتهم وأجساد موتاهم ثم تعود إلى الصخور والهواء مرة أخرى من خلال سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية تشارك فيهـا القشرة الأرضية و الغلاف الجوى و الشمس مع مملكة الأحياء من نباتات وحيوانات مع الرمال والتراب والبحار والمحيطات، بالإضافة إلى مملكة أخرى من الأحياء لا نراهـا بالعين المجردة بالرغم من هول ما تؤديه فى اكتمال هذه الدورات، وهي مملكة تجمع بين الحيوان فى حركته وخواصه والنبات فى وظائفة و سكناته، إنهـا مملكة الكائنات الدقيقة أو الميكروبية وتسمى المملكة الميروبيولوجية..
وتسمى الدورات التي تشارك فيهـا كل هذه الممالك مع القشرة الأرضية بغلافهـا بالدورات البيو جيو كيميائية، أو الدورات الحيوية الصخرية الكيميائية، biogeochemical cycles. ... ولا شك أن إلقـاء نظرة على بعض هذه الدورات، سيقربنـا إلى استقراء أسرار هذا الكون كما تهدينا وتبصرنا وتوجهنا آيات القرآن, إنه استقراء لآيات الكون المنظور بآيات القرآن المقروء.. إنه رد على استفسار يوجهنا إليه الخالق كأعظم أسلوب تربوي لإدراك ما تشتمل عليه الآيات من نعم الخالق علينا فى هذا الرحم الذي يضمنا أحياء و أمواتـا، و لنبدأ بدورة غـاز الأكسيجين... و هو أهم و أكثر العناصر فى أجسام جميع الأحياء.. كيف لم تستهلك كميته المحدودة فى القشرة الأرضية والغلاف الجوى طوال هذه السنين بحيث مازالت تكفينا وتكفى مليارات أخرى من البشر عدة ملايين أخرى من السنين... إن الأكسيجين غاز يستهلك فى إنتاج الطاقة عند حرق الوقود أو الغذاء الكربوهيدرات داخل أجسامنا ليمنحنا الطاقة كي نتحرك ونحيا ، ثم حرق الوقود لطهو طعامنا وإعداده لنـا ، ثم حرق الوقود داخل عرباتنا ومعداتنا لتوفير أسباب الراحة لنـا، إننا فى كل يوم نستهلك ملايين الأطنان من هذا الغاز لكي نطلق مليارات السعرات الحرارية المطلوبة كي تستمر قدرتنا وقدرة جميع الأحياء على الحركة و الحياة بما فيهـا النباتات .... حيث يمتص غاز الأكسيجين من الهواء و يحترق به الوقود داخل الأجسام أو الأفران وينتج فى معظم الأحوال غازي ثاني أكسي الكربون وبخـار المـاء بالإضافة إلى الطاقة... لا.فذ غاز الأكسيجين نتيجة استنفاذه فى كل الأحياء وجميع العمليات الحيوية و الصناعية على الأرض، الجواب.. لا .. فقد أعد له الخالق دورته كي يستعيده الغلاف الجوى أو الأرض مرة ثانية... إنهـا دورة يشارك فيهـا النبات واللملكة النباتية مع الإنسان و المملكة الحيوانية.. فما تستهلكه المملكة النباتية و المملكة الحيوانية ومنهـا الإنسان أثناء التنفس و الأنشطة الأخرى تعوضه المملكة النباتية أثناء عملية التمثيل الكلوروفيللى أو الأخضر أو الضوئي تحت أشعة الشمس، حيث تمتص النبات نفس نواتج الاحتراق و هي غازي ثاني أكسيد الكربون و بخار الماء، و تعيد لنا الأكسيجين، وتختزن لنا أثناء هذه العملية من الشمس الطاقة المطلوبة للحركة والحياة على الأرض من خلال تفاعلات فوتو كهروكيميائية، و تقدمهـا لنا على هيئة مواد غذائية تسمى المواد الكربوهيدراتية.. مواد فى ثمار عديدة سائغة الطعم و ميسرة للهضم و الاحتراق داخل خلايا أجسامنا لتنطلق الطاقات التي تحركنا و تكفينا للاستمتاع بقوتنا ما أحيانا الله على الأرض... هكذا يستمر الأكسيجين على الأرض دون أن يستنفذ.. فما يفقد من الجو للإنسان ينطلق إليه من النبات فى توازن حكيم قدره رب العالمين.
ثم نأتي إلى عنصر النيتروجين.. وهو غاز أساسي يعتمد عليه إنشاء ويناء جميع الأنسجة الحيوية، فى الإنسان والنبات والحيوان، ويقوم النبات بإعداده على هيئة مواد بروتينية تدخل فى ثمارهـا التي تقدمهـا لنا و حبوبهـا التي نتغذى عليها كي نبنى بهـا خلايانا و أنسجتنا و عضلاتنا.. أو نحصل عليهـا من الحيوانات التي تتغذى بدورهـا أيضا على بوتين هذه النباتات... وغاز النيترجين يمثل 77 % من كتلة الغلاف الجوى الذي يحيط بالأرض... ولكن كيف يأتي هذا الغاز من الهواء ثم كيف يستطيع النبات أن يختزنه و يبنى به خلاياه و أنسجته و يعده وجبة سائغة لبناء الأنسجة فى جميع الحيوانات.. ثم كيف يستعوض الهواء ما استهلكته الحيوانات والنباتات، من فضلاتهم و هم أحياء و من أجسامهم و هم موتى... إنهـا دورة أخرى تشارك فيهـا أعضاء من مملكة الكائنات الدقيقة، إنهـا المملكة التي تحتوى مليارات الأنواع من البكتيريا أو الفطريات، وكل نوع من أنواع هذه البكتيريا له عمله واختصاصاته ووظائفة فى استكمال هذه المنظومة.. منهـا ما تمتصه من الهواء لنا و للأحياء على الأرض و تثبته لجذور النباتات التي تحيا بالقرب منها... إنهـا تمتص وتثبت من هذا الغاز فى كل لحظة مئات الأطنان وفى كل دقيقة آلاف الأطنان وفى كل يوم ملايين الأطنان.. تحصل عليه من هذا النيتروجين الجوى لإعداد هذه المواد البروتينية كي تقوم النباتات والحيوانات ومنها الإنسان ببناء خلاياهـا وأنسجتهـا... وأنواع أخرى تقوم بالعكس لإعادة ما امتصته الأنواع الأولى من النيتروجين إلى الهواء مرة أخرى، فتحلل فضلات الأحياء والأجسام والأنسجة يعد موتهـا وتعيد للغلاف الجوى نيتروجينه... الأنواع الأولى تقوم بعملية تثبيت هذا الغاز فى مركبات الآمونيا عند امتصاصه من الجو من خلال سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية، و ثم تهاجم الأنواع الأخرى الفضلات وبقايا الأجساد فتحلل بروتيناتها من خلال تفاعلات طويلة أخرى وتستغل فى بعضهـا أشعة الشمس فى تحليل أكاسيد النيتروجين إلى النيتروجين فى عملية تمثيل ضوئي أخر يماثل عملية التمثيل الكلورفيللى فى النباتات ولكن بتفاعلات أكثر تعقيدا... هذه التفاعلات لا يمكن أن تقوم بهـا أي معامل على الأرض، ولكن هذا العالم من المخلوقات الدقيقة يقوم بهـا بكل يسر وإتقان معجز.. إن بعضهـا لا يتعدى أن يكون نواة بلا جدار أو خلايا أحادية ولكن لا تفسير لما تقوم به إلا أنهـا تسبح بأوامر ربهـا تسبيحاً منتظما ومحدداً لتطلق كل هذا الكم مما تحتاجه أجسامنا وتنظبط به مكونات الهواء و نسبه.. إنهـا جيوش لانهـائية العدد والعدة وتعمل بتنسيق وانضباط لا يتخيله عقل فلا تزيد نسبة النيتروجين فى الهواء ولا تقل .. من أعدها وخلقهـا ونظم أعدادها وعددهـا بهذه القدرة والحكمة.. إنه الخالق الذي بعث إلينا بهذا الاستفسار المعجز... ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء و أمواتا...
.