منتديات الهندسة . نت  

العودة   منتديات الهندسة . نت المنتديات العامة منتدي الشريعة و الحياة
اسم المستخدم
كلمة المرور
الأسئلة الشائعة الأعضاء التقويم جعل المنتديات كمقروءة

منتدي الشريعة و الحياة كل ما يختص بقضايا الدين الإسلامي: لطرح ومناقشة أمورنا الدينية بعيدين عن التعصب المذهبي -فتاوى شرعية - قصص التائبين والتائبات - أساليب الدعوه إلى الله

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع أنماط العرض
  #1
  
هيسبيريدس
دراسات عليا
بروفيسور







هيسبيريدس غير متواجد حالياً

افتراضي {{39}} - { مختصر تفسير سورة المرسلات } - 24-11-2008, 04:47 AM

{{39}} - { مختصر تفسير سورة المرسلات }

تمهيد :
هذه السورة الكريمة يتلخص مضمونها بالتاكيد على حصول يوم القيامة، وما فيه من اهوال، و بالتهديد لمن يكذب بهذا اليوم { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ }، وبتكرار ذلك التهديد عشر مرات ! ، مع بشرى للمتقين بما سيلقونه من الرفاهية و النعيم ( اللهم اجعلنا منهم ) .

تفسير الآيات :
بسم الله الرحمن الرحيم

{وَالْمُرْسَلاتِ} : الرياح، وقيل: الملائكة، وقيل: آيات القرآن الكريم
{عُرْفًا (1)} : متتابعة، وقيل: إفضالاً من الله
{فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2)} : الرياح الشديدة الهبوب
{وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3)} : الرياح التي تنشر السحاب، وقيل: الملائكة التي تنشر الكتب
{فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4)} : الرياح التي تفرّق بين السحاب، وقيل: الملائكة التي تفرّق بين الحق و الباطل
{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5)} : الملائكة الملقيات وحي الله إلى رسله
{عُذْرًا} : إعذار من الله إلى خلقه
{أَوْ نُذْرًا (6)} : إنذار منه عز و جل إلى خلقه
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ} : ما وعدكم الله به وهو يوم القيامة و الحساب
{لَوَاقِعٌ (7)} : كائن لا محالة
{فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8)} : ذهب ضوؤها
{وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9)} : انشقّت
{وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)} : قلعت من أماكنها بسرعة
{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)} : عُيّن لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم
{لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12)} : استفهام للتعظيم، أي لأي يوم أخّرت محاسبة الأمم؟
{لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13)} : يوم القيامة حيث يفصل الله فيه بالحق بين النّاس
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)} : وما أعلمك ما شان يوم الفصل؟
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بذلك اليوم
{أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ (16)} : ألم يعاقب الله الأمم السابقة الذين كذبوا أنبياءهم
{ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآَخِرِينَ (17)} : ثم نلحق بالأولين في الهلاك من جاء بعدهم من الكافرين
{كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)} : هكذا يعاقب الله المجرمين الذين كفروا بربهم وكذبوا أنبياءهم
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين لما فعلوه
{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20)} : ماء ضعيف قليل
{فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21)} : في مكان يتمكن فيه، وهو رحم المرأة
{إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22)} : زمن معيّن عند الله لحين خروجه من الرحم
{فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)} : فَقَدَرْنَا: أي قدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بنعمة الخلق و الإيجاد
{أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا (26)} : الكفت هو الضم، أي تضم أهلها أحياء على ظهرها و أموات في باطنها
{وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} : جبالاً ثوابت مرتفعات
{وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27)} : ماء عذب
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بهذه النعم
{انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29)} : سيروا إلى العذاب الذي كنتم به تكذبون
{انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ} : الظل هو دخان جهنّم
{ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (30)} : ثلاث فرق بمعنى : يرتفع من وقودها دخان إذا تصاعد تفرق شعبا ثلاث - والله أعلم -
{لا ظَلِيلٍ} : لا مظلل من الحر
{وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31)} : لا يرد عنهم لهب جهنّم
{إِنَّهَا} : أي جهنّم
{تَرْمِي بِشَرَرٍ} : جمع شررة، وهي ما تطاير من النّار
{كَالْقَصْرِ (32)} : في حجم القصر، وقيل: القصر جمع قصرة وهو الحطب الضخم
{كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33)} : الجمال السود الضّارب لونها إلى الصفرة
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بعذاب الله
{هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35)} : أي يوم القيامة لا ينطق فيه الكافرون
{وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)} : لا يؤذن لهم بالإعتذار، ولو اعتذروا لا يُقبل منهم
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بيوم القيامة
{هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} : هذا اليوم يفصل الله فيه ويحكم بين الخلائق فيجازي كل امرئ بما يستحقه
{جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ (38)} : جمع فيه المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلّم مع مكذبي الأنبياء من الأمم السابقة
{فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ} : كيد: حيلة لإتقاء العذاب
{فَكِيدُونِ (39)} : فاحتالوا للتخلّص من العذاب، وقيل: حاربوني وقاوموني
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بعذاب الله
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42)} : عُيُونٍ: جمع عين وهي منبع الماء
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} : هَنِيئًا: خالص اللذة لا يشوبه تنغيص
{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)} : نَجْزِي : نثيب و نكرم
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بنعيم الجنّة
{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً} : أيها الكافرون كلو تمتعوا قليلاً في دنياكم
{إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46)} : بتكذيبكم يوم القيامة
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بهذا اليوم
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} : أي الكافرين
{ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (48)} : صلّوا لله
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)} : هلاك و شقاء يومئذ للمكذبين بأوامر الله و نواهيه
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} : أي بعد القرآن الكريم
{يُؤْمِنُونَ (50)} : يصدّقون

صدق الله العظيم

-------------------
المراجع :
1. روح القرآن الكريم تفسير جزء تبارك ، عفيف عبد الفتّاح طبّارة
2. مختصر تفسير الإمام الطّبري
التوقيع

رد باقتباس
  #2
  
هيسبيريدس
دراسات عليا
بروفيسور







هيسبيريدس غير متواجد حالياً

افتراضي تأملات فى سورة المرسلات - 24-11-2008, 05:04 AM


أ.د. ســلامه عبد الهادي

أستاذ في علوم إدارة الطاقة وعميد سابق للمعهد العالي للطاقة بأسوان

هيأ لنـا الحق نعمة علم و تعلم القرآن رحمة منه و فضلا... و كل آية من آيات القرآن تعبر عن أدق الأسرار بقدر ما تتيحه لنا علوم كل عصر.. فتتدرج من أعم العموم إلى أخص الخصوص فى سهولة
و يسر ودقة وإتقان بقدر ما يستوعبه أيضا كل منا من معاني وبقدر ما هيأه له الرحمن من علم.. ونحن لا نعرض فى هذه الحلقات إعجاز القرآن فى سبقه و علمه و إشاراته... فالقرآن معجز لأنه من عند الرحمن، ولكنا ننفذ أمر الله بالتدبر فى آيات كتابه وتأملهـا بحسب ما مكنا به الخالق من يسير علوم الدنيا، وما أدناهـا عن علم القرآن... إننا نحاول أن نطيع أمر الله و نأخذ ما فى كتابنا بكل ما أويتينا من قوة العلم و الهدى و الاجتهاد و نذكر ما فى آياته لعلنـا نكون حقا من الشاكرين، إنهـا محاولة لقراءة أو استقراء آيات الكون الذي خلقه الله بما تهدينا إليه آيات القرآن التي بعثهـا الله.. و نقف فى هذه الحلقة أمام آيات من سورة المرسلات... ويتكرر فى هذه السورة فى عشر آيات توعد الحق لهؤلاء المكذبين بكتاب الله و المصروفين عن آياته بهذا الوعيد الذي جاء بقوله سبحانه و تعالى "ويل يومئذ للمكذبين"...

و تبدأ أول السورة بإشارات وعلامات يوم القيامة التي نرى منهـا اليوم الكثير... ثم تتوعد المكذبين بما سيلقونه فى هذا اليوم من العذاب فى وادي " الويل" من جهنم وبئس المصير بهذا القول الفصل "ويل يومئذ للمكذبين"... ثم يذكرهم الخالق فى الآيات التالية بأصل نشأتهم الذي جاء من مـاء مهين يمنيه الرجل فى أنثاه ، وهذا رداً على استكبارهم وصلفهم، ثم يذكرهم بأنه يتغمد هذا الماء المهين برحمته إذا خصب بويضة الأنثى فى قناة المبيض، فيحفظه فى قرار مكين حريز فى ظلمات ثلاث وهو رحم الأنثى، أعده الرحمن حيث تستقر فيه هذه النطفة إلى وقت معلوم قدره لهـا رب العالمين، وفى هذا الرحم تتجلى رحمة الله و قدرته وحكمته... حيث يمد هذه النطفة بما ييسر لهـا النمو والحركة والتنفس داخل هذه الظلمات، مكونة الجنين ثم يخرجه إلى الحياة طفلاً كاملاً له السمع و البصر والقدرة على الحركة والحياة...

يذكرنا الحق بهذه النعم والأسرار فى كلمات موجزة و معجزة فى هذه الآيات، حيث يقول الحق " ألم نخلقكم من ماء مهين.. فجعلناه فى قرار مكين.. إلى قدر معلوم.. فقدرنا فنعم القادرون "... و لن أتعرض فى هذا اللقاء لهذه الآيات الكريمة التي تذكر هذا الاستفسار من رب العالمين و الذي تتجلى فيه ما يدحض قول كل مكذب بيوم الدين وبهذا الكتاب الكريم، إنهـا آيات استوعبت فى كلمات محددة ومعدودة أسرار هذا الماء المهين و أسرار الرحم الذي أودعه الله أسرارا تجعل من هذا الماء المهين نشأتنا ونشأة خلق هؤلاء المكذبين...



إنهـا تذكرة بأسرار رحمة الخالق بنـا في أثناء أطوار الجنين المعجزة والمختلفة إلى قدر معلوم فى هذا القرار المكين والتي ما زال العالم يحبو ليكشف أسراره و ما زال أمامه الكثير... ولكنى سأتوقف فى هذه الحلقة أمام الاستفسار التالي والذي يكشف عن أسرار رحم أخر وقرار آخر جاء ذكره فى الآيات التي تلت مباشرة تذكرتنا بالرحم الأول أو القرار الأول... إنه رحم كبير أعده الله لنا.. إنه قرارا آخر تستقر عليه حياتنا أيضا إلى وقت معلوم... إنه الكوكب الذي يسره الله لنا كي ننعم برحمة الله علينا فى كل لحظة نعيشهـا و نحياهـا عليه... إنه كوكب الأرض الذي جعلهـا الله لنـا مهدا للحياة و محتضنا لأجسامنا بعد الممات... إنه القرار المكين التالي الذي يستقبل الطفل بعد أن يخرج من القرار المكين الأول... و لهذا جاء ذكره فى السورة الكريمة فى تسلسل منطقي بعد هذه الآيات.. فيأتي قول الحق فى استفسار آخر يلي مباشرة الاستفسار الأول عن نشأتنا من ماء مهين أودعه الحق فى قرار مكين.. " ألم نجعل الأرض كفـاتاً...أحياءً و أمواتـا "...
يضع الخالق أمامنا أيضا فى هذا الاستفسار سراً آخر من أسرار الخلق ومن أسرار هذا الكون الذي تحتار فيه الألباب... وهذا السر جعله البشر قضية يحارون فى الحفاظ عليه وينسون من أعده وأعد الحفاظ عليه... يسمونه بالبيئة فيقيمون لهـا الوزارات و المؤتمرات.. وطبقا لتسلسل الآيات فهو حقاً رحم آخر ينتظر الإنسان بعد خروجه من الرحم الأول أو أول قرار مكين، و لكن هل يحتاج الإنسان حقاً لرحم آخر بعد ولادته... وللإجابة عن هذا السؤال تعالوا ننظر إلى رواد الفضـاء عندما يذهبون إلى القمر... إنهم يدخلون بالفعل داخل رحم آخر يحيط بجسدهم تحت الضغط ودرجة الحرارة ونسبة الرطوبة التي تناسب أجسامهم كما فى رحم الأم، ويكون لديهم حبل سرى آخر يمدهم بالغذاء والماء والهواء كما فى رحم الأم، وحبل لخروج الهواء الفاسد بعد استهلاكهم الهواء النقي وحبلاً كذلك لإخراج فضلاتهم وإعدامهـا حتى لا تلوث الرحم الذي يعيشون فيه كما فى رحم الأم... وإذا انتهى ما يكفيهم من العناصر المطلوبة لبقائهم أحياءً انتهت حياتهم، فلا يوجد على سطح القمر معظم العناصر إلى تحتاجهـا أجسامهم، وإذا وجدت فلا وجود للنبات الذي يعد لهم طعاماً من هذه العناصر بحيث تستطيع أمعاءهم أن تمتصه أو تهضمه... و إذا وجد النبات فليس أمامه الظروف الجوية التي تتيح بقائه أو العناصر التي يمكن امتصاصهـا وإعداد الطعام المناسب منها.. وإذا مات أحد منهم فلن يستطيعوا البقاء أحياء عندما يتعفن جسد زميلهم مفسداً لهم هذا الرحم الصناعي الذي يحيون فيه... كلا.

هل يشكل لهم القمر القرار المكين.. كلا .. فالآن . يرون فوق القمر فى قفزات ولا تستقر حركاتهم.. و الآن .. ألا ننظر من أعد للبشر جميعاً هذا الرحم الكبير الذي يضمهم ويوفر كل أسباب هذه الحياة لهم و الاستقرار.. لقد وجه الخالق هذا الاستفسار فى كلمات معدودة تذكر المكذبين أن يقرأوا آيات الكون الذي يتمتعون بالحياة فيه و هذا إذا تعلموا قراءة آيات القرآن ... أن ينظروا كيف تستمر حياتهم بعد خروجهم من أرحام أمهـاتهم... أنهم يعيشون فى رحم آخر يكفلهم و يكفيى مؤنهم فى كل لحظة يعيشونهـا على الأرض .. إنه حقا قرار مكين آخر...

يسألنا الحق بهذا الاستفسار و هذا البيان و هذه التذكرة.. من أعد لكم هذا القرار الآخر بميزان دقيق و فى منظومة هائلة كي يضمكم و يكفلكم و يكفيكم أحياء و أمواتـا ... ما رد المكذبين الذين يجدون فى صعود القمر تقدما علميا على هذا السؤال أو الاستفسار.. ألم نجعل الأرض كفـاتا.. أحياءا و أمواتا... لقد خص الله هذا الكوكب الذي نحيا عليه و هو الأرض بما يؤهله ليكفل و يكفى حياة الأحياء عليه و يكفلهم و يكفيهم أيضا بعد موتهم... و قد ذكر المفسرون أن الكفت يعنى الجمع و الضم كالأم تضم أبنائهـا أو الرحم يضم جنينه و يكفله، وكلمة كفاتا تعنى جمع الكفت فهي حقا ليس رحما واحدا و لكنهـا أرحام و أرحام و أرحام، ثم نجد أن حروف الكلمة تعنى أيضا الكفاية.. أي أن الأرض توفر ما يكفى من تضمهم و تكفلهم فى رحمهـا أو أرحامهـا...

أن من ينظر إلى هذه الأرض التي تضمنا بالرغم من مواردهـا المحدودة.. ويسأل نفسه ويتدبر.. من أدارهـا و من يديرهـا طوال هذه الملايين من السنين بحيث يكون لديها ما تقدمه إلى هذه الملايين أو المليارات من البشر ومليارات المليارات من الأشجار والنباتات والحيوانات والحشرات و الطيور من غذاء و هواء وماء طوال ملايين السنين التي عاشتهـا وستعيشهـا الأرض... تكفلهم أيضا بفضلاتهم وأجسام موتاهم وفضلات الحيوانات وأجسادهـا حين موتهـا دون أن تصبح الحياة مستحيلة عليهـا... من ينظر إلى عدد سكان الأرض منذ خمسة قرون فقط و الذي لم يكن يتعدى 500 مليون نسمة، و الآن يزيد هذا العدد عن 6.5 مليار نسمة... من ينظر كم طنا من الغذاء يستهلكه كل منا و كم برميلا من الماء يشربه كل منا و كم مترا مكعبا من الهواء يحتاجه كل منـا خلال حياته.. إن متوسط ما يستهلكه الإنسان فى عمره إذا بلغ 60 عاما هو 60 طن من الحبوب و المحاصيل الزراعية، يمكن أن يكون جزءً منهـا من المصادر الحيوانية مثل الألبان و لحوم الطيور و الأنعـام، و يحتاج هذا الكم من الحبوب و المحاصيل إلى 100.000 (مائة ألف ) متراً مكعباً من المـاء العذب لزراعتهـا، و تقدر الطاقة التي يحتاجهـا جسم هذا الإنسان خلال سنوات عمره للحركة والحياة والتي يختزنهـا ويعدها له النبات من الشمس بحوالى 60.000 كيلو وات. ساعة، وهي طاقة تدفع عربة جيب قوتهـا 100 حصان زمنا قدره 1000 سـاعة... من أعد الموارد والمصادر لتقديم كم هذا الطعام والشراب وهذه الطاقة لهذه المليارات من البشر، ثم لأنعامهم و زروعهم، علاوة على ما يسكن الأرض من أحياء أخرى معهم.. هذا علاوة أيضا على استيعاب كم الفضلات التي تخرج منهم بعد غذائهم ثم عند موتهم... من دبر أمر كفالة كل هؤلاء البشر بهذه الرحمة و البركة...

من أعد هذا الرحم الكبير بكل ما فيه وما عليه ... سؤال تثيره الآية الكريمة فى القرآن الكريم والتي توجهنا إلى استقراء آيات الله فى هذا الكون الكبير... توجيه جاء هيئة على استفسار رباني كي نفيق من غفوتنا ونحن نتحدث عن البيئة دون أن نفطن من أوجد و خلق و أعد هذه البيئة بكل هذه المقومات كي نحيا عليهـا و فيهـا ومنهـا.. من دبر أمر إدارتهـا و هدايتهـا بهذا الميزان بحيث تعوض ذاتياً استهلاك مواردهـا و تجددها بحيث لا تنضب... من ثم من ثم من ؟؟؟ ... تأتى الآية الكريمة فتخبرنا أن خالقهـا هو الذي جعلهـا هكذا... فلا حيرة و لا تخبط... ولا تنسى أن كلمة الأحياء والأموات فى الآية الكريمة لا تعنى البشر وحدهم، بل هناك أعضاء المملكة النباتية والحيوانية والميكروبية.. أحياءهم وأمواتهم.... و كلهم قد سخرهم الله لخدمة البشر، الذي جعله الله خليفته فى هذه الأرض... كيف هذا؟ ..

.
التوقيع

رد باقتباس
  #3
  
هيسبيريدس
دراسات عليا
بروفيسور







هيسبيريدس غير متواجد حالياً

افتراضي نابع الحديث القيّم - 24-11-2008, 05:14 AM


علينا أن نقرأ هذا الكون ونحن نتدبر آيات خالقه وكتابه الذي ختم به رسالاته إلى الأرض... إنه استفسار جاء بكل البساطة والعظمة والتفضل والمن معاً.. إنه إعلان أنه هو الله الذي أدار ويدير هذا الكون بحكمته وهذه الموارد بعلمه و قدرته... هو الذي أراد أن يجعلهـا هكذا.. و كلمة جعل تفيد أنه لم يخلقهـا فقط ولكن رحمته وعنايته تهديهـا و تسيرهـا فى كل لحظة وكل حركة و سكنة... بحيث تكون معيناً لا ينضب، و قد وجهنـا الخالق فى هذه الآية و بهذا الاستفسار أن نرى كيف انتظمت واهتدت هذه الأرض بحيث تكون كفاتا ، أحياء أو أمواتا ... فتعال ننظر كما تنص الآية الكريمة كيف صارت الأرض معينا كافياً ومحتضنا طوال ملايين السنين لكل هذه المليارات من البشر ومليارات المليارات من الحيونات والحشرات والأسماك والطيور والنباتات والمكيروبات و .و. .. ... تعالوا أولا ننظر كيف توفر الأرض للأحياء عليهـا احتياجهم من الغذاء بعناصره والماء بعذوبته لاستمرار بقائهم.. لننظر أولا ما هي العناصر المطلوبة لبقائهم...
إن إنشاء أجسامنا قد جاء من الطين اللازب الذي الذي خلق الله منه آدم أبو البشر، ويتكون هذا الطين من الماء والتراب، و الماء يمثل حوالي 83 % من جسم الإنسان ، ثم تدخل عناصر التراب ومنهـا الكربون والنيتروجين والكالسيوم والفوسفور والكبريت والبوتاسيوم و الصوديوم و المنجنيز بالإضافة إلى 10 عناصر أخرى بكميات محدودة منهـا النحاس والحديد والكوبالت والزنك، و أكثر العناصر انتشارا فى الجسم هو غاز الأكسيجين ويمثل أكثر من 65 % من كتلة جسم إنسان، حيث أن الماء المنتشر فى أجسامنا يتكون من اتحاد هذا الغاز مع غاز الهيدروجين، و يمثل غاز الأكسيجين عنصراً هاماً أيضاً فى الهواء الذي نتنفس به، حيث يمثل نسبة 23 % من وزن الهواء، و هذه المكونات قاسم مشترك أيضـا فى معظم أعضاء المملكة الحيوانية والنباتية .. أي معظم الأحيـاء، ويعد النبات الثمار التي تحتوى على جميع المعادن و المواد التي يحتاجهـا معظم الأحياء و منهم الإنسان فى غذائهم ونموهم وحركتهم ، وهذا بما يمتصه النبات من القشرة الأرضية ومن الهواء ... وقد أعد الله كل هذه العناصر والمكونات فى القشرة الأرضية التي نحيا عليهـا وفى الغلاف الذي يحتضنهـا ويسميه العلماء الغلاف الجوى أو الأرضي... إن هذه القشرة الأرضية التي تحتوى جميع هذه المعادن التي تقوم عليهـا حياتنا، لا تمثل أكثر من قشرة بيضة من بيض الطيور، إذا تخيلنا الأرض فى حجم هذه البيضة، حيث لا يزيد سمكهـا عن 0.4 % من قطر الأرض، فتصل أعماق القارات التي نحيا عليهـا إلى 35 كم فقط، وتضم 8 عناصر أساسية منهـا الأكسيجين و السيليكون و الكالسيوم والصوديوم و الحديد، وتضم بندرة شديدة بعض العناصر الأخرى مثل الكربون والفوسفور والكبريت و جميع العناصر الأخرى التي يتكون منهـا جسم الإنسان، و تتغطى القشرة الأرضية بالمياه والرمال و التربة، و على أي أعماق تحفر فى هذه القشرة فلن تجد سوى الصخور، ويحيط بهذه القشرة كما ذكرنا الغلاف الجوى الذي يمتد إلى أكثر من 10 كم، وقد وجدت أنواع من الحياة وخاصة للكائنات الدقيقة أو الميكروبية حتى عمق 9 كم تحت سطح البحر وحتى ارتفاع 6 كم فوق سطح البحر، و هناك طيور تهـاجر على ارتفاع أكثر من 8 كم فوق سطح البحر فى غلاف الأرض.



و تنحصر حياتنا على هذه القشرة الأرضية بصخورها ومائها ورمالهـا وترابهـا وعناصرها وداخل هذا الغلاف الجوى بهوائه و سحبه و رياحه.. هذه المنطقة المحدودة تضمنا و تكفينا بمواردهـا المحدودة.. إنهـا موارد محدودة فى منطقة محددة من قبل رب رحيم كي تكون الرحم الذي يضمنا.. ولا مكان لنـا فى الكون سوى هذا الرحم الذي هيأه لنـا الرحمن الرحيم بنـا والذي أراد أن يجعل هذه الأرض لنا كفاتا.. أحياء و أمواتـا ... كيف لا تنضب هذه العناصر بالرغم من استنفاذها ملايين المرات خلال ملايين السنوات التي عاشتها الأرض بحيواناتهـا ونباتاتهـا و طيورهـا و سكانهـا... إن من يقرأ هذا الكون سيرى أن كل عنصر من هذه العناصر له موارد محدودة.. وهي عناصر مطلوبة فى تركيب ونمو وحركة وطاقة كل إنسان أو حيوان... فكيف تكفى هذه الموارد كل هذه الأعداد دون أن تنفذ... لقد أعد الخالق لكل عنصر من هذه العناصر دورة تبدأ من الصخور الجيولوجية فى قشرة الأرض والهواء الجوى إلى النبات لإعداد ثماره إلى غذاء الأحياء وأجسادهم ثم إلى فضلاتهم وأجساد موتاهم ثم تعود إلى الصخور والهواء مرة أخرى من خلال سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية تشارك فيهـا القشرة الأرضية و الغلاف الجوى و الشمس مع مملكة الأحياء من نباتات وحيوانات مع الرمال والتراب والبحار والمحيطات، بالإضافة إلى مملكة أخرى من الأحياء لا نراهـا بالعين المجردة بالرغم من هول ما تؤديه فى اكتمال هذه الدورات، وهي مملكة تجمع بين الحيوان فى حركته وخواصه والنبات فى وظائفة و سكناته، إنهـا مملكة الكائنات الدقيقة أو الميكروبية وتسمى المملكة الميروبيولوجية..
وتسمى الدورات التي تشارك فيهـا كل هذه الممالك مع القشرة الأرضية بغلافهـا بالدورات البيو جيو كيميائية، أو الدورات الحيوية الصخرية الكيميائية، biogeochemical cycles. ... ولا شك أن إلقـاء نظرة على بعض هذه الدورات، سيقربنـا إلى استقراء أسرار هذا الكون كما تهدينا وتبصرنا وتوجهنا آيات القرآن, إنه استقراء لآيات الكون المنظور بآيات القرآن المقروء.. إنه رد على استفسار يوجهنا إليه الخالق كأعظم أسلوب تربوي لإدراك ما تشتمل عليه الآيات من نعم الخالق علينا فى هذا الرحم الذي يضمنا أحياء و أمواتـا، و لنبدأ بدورة غـاز الأكسيجين... و هو أهم و أكثر العناصر فى أجسام جميع الأحياء.. كيف لم تستهلك كميته المحدودة فى القشرة الأرضية والغلاف الجوى طوال هذه السنين بحيث مازالت تكفينا وتكفى مليارات أخرى من البشر عدة ملايين أخرى من السنين... إن الأكسيجين غاز يستهلك فى إنتاج الطاقة عند حرق الوقود أو الغذاء الكربوهيدرات داخل أجسامنا ليمنحنا الطاقة كي نتحرك ونحيا ، ثم حرق الوقود لطهو طعامنا وإعداده لنـا ، ثم حرق الوقود داخل عرباتنا ومعداتنا لتوفير أسباب الراحة لنـا، إننا فى كل يوم نستهلك ملايين الأطنان من هذا الغاز لكي نطلق مليارات السعرات الحرارية المطلوبة كي تستمر قدرتنا وقدرة جميع الأحياء على الحركة و الحياة بما فيهـا النباتات .... حيث يمتص غاز الأكسيجين من الهواء و يحترق به الوقود داخل الأجسام أو الأفران وينتج فى معظم الأحوال غازي ثاني أكسي الكربون وبخـار المـاء بالإضافة إلى الطاقة... لا.فذ غاز الأكسيجين نتيجة استنفاذه فى كل الأحياء وجميع العمليات الحيوية و الصناعية على الأرض، الجواب.. لا .. فقد أعد له الخالق دورته كي يستعيده الغلاف الجوى أو الأرض مرة ثانية... إنهـا دورة يشارك فيهـا النبات واللملكة النباتية مع الإنسان و المملكة الحيوانية.. فما تستهلكه المملكة النباتية و المملكة الحيوانية ومنهـا الإنسان أثناء التنفس و الأنشطة الأخرى تعوضه المملكة النباتية أثناء عملية التمثيل الكلوروفيللى أو الأخضر أو الضوئي تحت أشعة الشمس، حيث تمتص النبات نفس نواتج الاحتراق و هي غازي ثاني أكسيد الكربون و بخار الماء، و تعيد لنا الأكسيجين، وتختزن لنا أثناء هذه العملية من الشمس الطاقة المطلوبة للحركة والحياة على الأرض من خلال تفاعلات فوتو كهروكيميائية، و تقدمهـا لنا على هيئة مواد غذائية تسمى المواد الكربوهيدراتية.. مواد فى ثمار عديدة سائغة الطعم و ميسرة للهضم و الاحتراق داخل خلايا أجسامنا لتنطلق الطاقات التي تحركنا و تكفينا للاستمتاع بقوتنا ما أحيانا الله على الأرض... هكذا يستمر الأكسيجين على الأرض دون أن يستنفذ.. فما يفقد من الجو للإنسان ينطلق إليه من النبات فى توازن حكيم قدره رب العالمين.
ثم نأتي إلى عنصر النيتروجين.. وهو غاز أساسي يعتمد عليه إنشاء ويناء جميع الأنسجة الحيوية، فى الإنسان والنبات والحيوان، ويقوم النبات بإعداده على هيئة مواد بروتينية تدخل فى ثمارهـا التي تقدمهـا لنا و حبوبهـا التي نتغذى عليها كي نبنى بهـا خلايانا و أنسجتنا و عضلاتنا.. أو نحصل عليهـا من الحيوانات التي تتغذى بدورهـا أيضا على بوتين هذه النباتات... وغاز النيترجين يمثل 77 % من كتلة الغلاف الجوى الذي يحيط بالأرض... ولكن كيف يأتي هذا الغاز من الهواء ثم كيف يستطيع النبات أن يختزنه و يبنى به خلاياه و أنسجته و يعده وجبة سائغة لبناء الأنسجة فى جميع الحيوانات.. ثم كيف يستعوض الهواء ما استهلكته الحيوانات والنباتات، من فضلاتهم و هم أحياء و من أجسامهم و هم موتى... إنهـا دورة أخرى تشارك فيهـا أعضاء من مملكة الكائنات الدقيقة، إنهـا المملكة التي تحتوى مليارات الأنواع من البكتيريا أو الفطريات، وكل نوع من أنواع هذه البكتيريا له عمله واختصاصاته ووظائفة فى استكمال هذه المنظومة.. منهـا ما تمتصه من الهواء لنا و للأحياء على الأرض و تثبته لجذور النباتات التي تحيا بالقرب منها... إنهـا تمتص وتثبت من هذا الغاز فى كل لحظة مئات الأطنان وفى كل دقيقة آلاف الأطنان وفى كل يوم ملايين الأطنان.. تحصل عليه من هذا النيتروجين الجوى لإعداد هذه المواد البروتينية كي تقوم النباتات والحيوانات ومنها الإنسان ببناء خلاياهـا وأنسجتهـا... وأنواع أخرى تقوم بالعكس لإعادة ما امتصته الأنواع الأولى من النيتروجين إلى الهواء مرة أخرى، فتحلل فضلات الأحياء والأجسام والأنسجة يعد موتهـا وتعيد للغلاف الجوى نيتروجينه... الأنواع الأولى تقوم بعملية تثبيت هذا الغاز فى مركبات الآمونيا عند امتصاصه من الجو من خلال سلسلة طويلة من التفاعلات الكيميائية، و ثم تهاجم الأنواع الأخرى الفضلات وبقايا الأجساد فتحلل بروتيناتها من خلال تفاعلات طويلة أخرى وتستغل فى بعضهـا أشعة الشمس فى تحليل أكاسيد النيتروجين إلى النيتروجين فى عملية تمثيل ضوئي أخر يماثل عملية التمثيل الكلورفيللى فى النباتات ولكن بتفاعلات أكثر تعقيدا... هذه التفاعلات لا يمكن أن تقوم بهـا أي معامل على الأرض، ولكن هذا العالم من المخلوقات الدقيقة يقوم بهـا بكل يسر وإتقان معجز.. إن بعضهـا لا يتعدى أن يكون نواة بلا جدار أو خلايا أحادية ولكن لا تفسير لما تقوم به إلا أنهـا تسبح بأوامر ربهـا تسبيحاً منتظما ومحدداً لتطلق كل هذا الكم مما تحتاجه أجسامنا وتنظبط به مكونات الهواء و نسبه.. إنهـا جيوش لانهـائية العدد والعدة وتعمل بتنسيق وانضباط لا يتخيله عقل فلا تزيد نسبة النيتروجين فى الهواء ولا تقل .. من أعدها وخلقهـا ونظم أعدادها وعددهـا بهذه القدرة والحكمة.. إنه الخالق الذي بعث إلينا بهذا الاستفسار المعجز... ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء و أمواتا...

.
التوقيع

رد باقتباس
  #4
  
هيسبيريدس
دراسات عليا
بروفيسور







هيسبيريدس غير متواجد حالياً

افتراضي تابع العلم النّافع - 24-11-2008, 05:24 AM


إننا إذا نظرنا إلى غلاف الأرض أو هذا الغلاف الجوى، نجد أنه يحتوى على غازين حيويين، أحدهما الأكسيجين الذي تنطلق به الطاقات والآخر النتروجين الذي تصنع به الأنسجة و العضلات فى كل ما هو حي على وجه الأرض، فوفرهما الخالق فى الهواء المحيط بنا لكي يكونا متاحين لكل هؤلاء الأحياء على وجه الأرض، دون أن توجد تفرقه فى جو عن جو، فالرياح تساوى بينهم جميعا فيتقل الهواء من مكان إلى آخر دون معوقات أو حجوزات، ثم نجد هذا الهواء مستقراً فى تركيبه و ثابتا فى مكوناته ومحافظاً على ضغطه... إنهـا منظومة ربانية رائعة.. منظومة علمية هندسية وإدارية و حسابية و... هي حقاً منظومة أديرت بالحكمة والعلم و القدرة كي ثبت لنـا هذه الموارد والكميات.. فمن ينظر إلى باقي الكواكب من حولنا لن يجد فيهـا هذا الهواء وهذا التناسق وهذه النسب التي لو اختلفت لاختلفت أقدارنا و انتهت حياتنا... إنهـا إرادة الخالق الذي أراد أن يجعلهـا هكذا كفاتا .. ولو نظرنا أيضا إلى هذين الغازين، لوجدناهما يسمحان بمرور أشعة الشمس خلالهمـا دون أن يمتصانهـا، و لو حدث أن كانا لهما نفس قدرة امتصاص بخار الماء أو ثاني أكسيد الكربون لأحترقت أجسامنا، ولكنهـا رحمة الله بنا أن خص أرضنا بهذين الغازين دون سواهمـا يحيطان بأجسامنا فى رحم ورحمة لنـا... فهناك كواكب أخرى مثل المريخ يمتلأ غلافهـا بثاني أكسيد الكربون فتستحيل الحياة عليه، إنهـا حقاً رحمة الرحمن بنا فى هذا الرحم الذي يضمنا ويكفلنا على أرضه الذي جعلهـا قرارا لنـا، ننعم فيه برحمته فى كل لحظة ومع كل تفاعل و كل حركة و كل سكنة وكل شعاع وكل نفس وكل قضمة و...
ثم ننتقل إلى مادة الحياة... تعالوا ننظر كيف روت الأرض هذه المليارات من الأفدنة لزراعة ما يكفى أهل الأرض وأحياءهـا طوال هذه الملايين من السنين.. ثم كيف توفرت لهم فى كل مكان و كل موقع كي تروى زرعهم و أجسادهم وعطشهم فى كل موقع على الأرض... إننا لا نحيا بدون هواء أو ماء.. والآن،كيف يحيط بنا الهواء بنسب و ظروف ثانتة و يتجدد بما يكفلنا ويكفينا فى دورات ودورات تمضى بكل الحكمة و القدرة و العلم.. والآن، ما هو الموقف بالنسبة للمـاء ... إن الماء مكون اتحاد كيميائي لعنصرين أو غازين.. الأكسيجين الذي تحدثنا عنه مع غاز آخر وهو الهيدروجين .. إنه أخف العناصر على وجه الأرض.. واتحادها ينشأ عنه انفجار وحرارة أو نار .. هكذا ينشأ من النار ما يطفئ النار لحكمة جليلة .. ثم نجد هذا المركب الجديد و يرمز له بالرمز (H2O) .. إنه غاز يسمى بخار الماء... أخف وزنا أو كثافة من الهواء ولكنه يتكثف فى درجة الحرارة العادية مكونا ماء الأنهـار و البحار والمحيطات، و التي تغطي أكثر من 70 % من مساحة أرضنـا.. أو تجده سابحا فوق الهواء فى طبقات الجو العليا لأنه أخف من الهواء.. وعندما يصطدم هذا البخاء بالهواء البارد يتكثف على هيئة السحاب، الذي ينزل منه مياه الأمطـار أينما وكيفما قدر لهـا الله. هكذا يحيط بنا الماء من كل مكان حتى تستمر الحياة.. وكيف احتفظت الأرض لنـا بهذه المياه دون أن تنفذ.. وكيف لا تتبدد فى السمـاء عندما تحملهـا الرياح إلى أعلى الطبقات و لا تعود... وكيف لا تهبط إلى أغوار الأرض وأعماقهـا وتتبدد.. إنهـا إرادة الخالق أوضحتهـا الآيات فى سورة الطارق.. فى سماء ذات رجع يعيد الماء إلى الأرض مرات و مرات و مرات دون أن يفقد أو ينقص، وأرض ذات صدع يحفظ المـاء لأهل الأرض و يستنفذوه من صحارات المياه التي تغذى الأنهـار... فلا هروب بأمر الله من أسفل أو من أعلى.. فكما يصعد إلينا من المياه المالحة بخاراً و سحاباً.. تعيده لنا السماء أمطاراً و أنهـاراً من المياه العذبة... أو تخزنهـا لنا الأرض فى صدع وتعيدها لنا جداولاً وأنهـار وآبارا ... فنجدهـا رزقاً ميسرا فى كل موقع على الأرض حتى تستمر الحياة... و لكن ما الحكمة من هذه المساحة الهـائلة من بحـار مالحة.. إن الأملاح تحفظ لنـا بقاء المياه ساكنة فى قاع البحار مئات وآلاف السنوات دون أن يصيبهـا عفن أو تعطن أو تلوث، فلو كانت عذبة لفسدت من طول هذه المدة، ثم تتبخر المياه العذبة من مياه البحار المالحة لتكون السحاب الذي يملأ السماء بفعل أشعة الشمس، وهذا يتطلب تعرض أكبر مساحة من سطح المياه المالحة كي تنال كما كافيا من حرارة الشمس لتتبخر الكميات المناسبة منهـا وتكون السحاب، كي تروي الغابات والقارات وتملأ الأنهـار و الآبار.. ثم تعيد هذه الغابات والأنهـار مياهـا مرة أخرى إلى البحار من خلال مصارفهـا أو البخر منهـا أو المتسرب من أرضهـا، كي تعيد تخزينهـا ثم دورتها مليارات المرات فى ملايين الأعوام لمليارات المخلوقات.. إنهـا دورة متكاملة تدل على حكمة خالقهـا ومدبر أمرهـا... إله واحد ملك قدوس عزيز حكيم قدير... ذو فضل عظيم... هكذا يسر لنـا الخالق أسباب الحياة على الأرض من هواء نستنشقه و ماء نشربه ونروى به زروعنا و أنعامنا..

ولكم مازالت هناك عناصر أخرى مطلوبة لتستمر حياتنا على الأرض وتدخل فى تركيب أجسامنا و يطلق عليها إسماء عديدة، منهـا كما ذكرنا الكالسيوم و الفوسفور و الكبريت و البوتاسيوم والصوديوم والمنجنيز والأومنيوم النحاس والحديد والكوبالت والزنك وعناصر أخرى ... إنهـا عناصر و معادن موجودة فى التراب الذي جاءت منه نشأتنا.. معادن موجودة فى القشرة الأرضية أو قشرة القرار الذي جعله الله لنا كفاتا .. أحياء و أمواتا.. و لكن كيف لم تنتهي أيضا هذه المعادن و العناصر... كيف لم تستفذهـا الأحياء التي عاشت عليهـا كل هذه الملايين من الأعوام من نباتات و حيوانات ... إن من يرصدهـا و يرصد تكوينهـا يرى حقا أنهـا كميات محدودة و موارد معدودة ... كيف لم تستنفذ .. إنه استفسار الخالق فى الآية الكريمة .. إنه استقراء لحكمة الحق فى هذا الاكتفاء الذاتي الذي تتيحه الأرض لمن عليهـا بكلمة الخلق "جعلنـا " فى الآية الكريمة من كتاب الحق.. إنه "جعل " يشمل الخلق و الهداية و تسخير القوانين و المخلوقات التي نرى حكمة الخالق فى طرق تسبيحهـا لله كي يجعل الأرض كفاتا لنا.. أحياء وأمواتا .. عفواً .. إن المجال لا يتسع أن نقرأ حكمة الخالق فى كل عنصر من هذه العناصر.. فليست عملية استعراض للمعلومات.. فهذه المعلومات متاحة لكل من يريد أن يتدبر فى المراجع فى كل مجال، أو على شبكات الإنترنت التي تتوافر للمؤمنين و المكذبين.. ولكن سأذكر منهـا بعض الأمثلة المحدودة وأترك الفرصة لكل من يريد أن يتذكر لكي يفتح الباب على أسرار أخرى يدرك بهـا كم هي عظمة الخالق عندما يقدم لنا هذا الاستفسار النبي كي يسعى كل منا بقدر وعيه و تدبره، و هناك حدود لعلمنا قدرهـا معلم القرآن.. و لن نعلم بعد هذه الحدود التي أتاحهـا لنا الله شيئا، و لكننا سنزداد يقينا على أننا لا نعلم إلا اليسير و اليسير من أسرار هذا الخلق الكبير... فكلما اكتشفنا سراً وجدنا أنه يضعنـا أمام أسرار وأسرار لا تفسير لهـا إلا أن الله جعل لكل خلية و ذرة فى هذا الكون البديع سرا من الأسرار التي لا يمكن إدراكهـا بالأسس المادية أو العلمية المجردة.. و لا يتأتى فهمهـا إلا أنها تسبيحا مطيعا و متناسقا و منضبطا و متكاملا دون نشاز أو شذوذ.. تسبيحا و طاعة لرب واحد هو رب كل شيء، بعث القرآن ليكون حجة للمؤمنين على المكذبين.. ألا نسبح نحن أيضـا دون نشاز أو شذوذ لله الواحد الأحد، رب كل شيء.. و لهذا جاء تكرار هذا القول فى هذه السورة من القرآن عشر مرات.. ويل يومئذ للمكذبين..

فلننظر أولاً إلى الكربون وهو أكثر العناصر انتشاراً بعد الأكسيجين فى جسم الإنسان، حيث يمثل 18% من وزن الجسم، وتشارك فى دورة هذا العنصر والإبقاء عليه كل ما ومن على الأرض أو فى السماء.. البحار والمحيطات بمائهـا وترسبات قاعهـا ونباتهـا وأحيائهـا الدقيقة والكبيرة، ثم السماء بهوائهـا وطبقاتهـا المختلفة وشمسهـا وسحبهـا، ثم الأرض بنباتهـا وأحيائهـا و حيواناتهـا و أنهـارهـا.. و يعد الكربون من أهم العناصر لإنتاج الطاقة أيضا على الأرض، فعند احتراقه داخل خلايا الجسم يصدر الطاقة التي تحرك الإنسان و الحيوان، وعند احتراقه تأتى الطاقة فوق الأرض ينتج الطاقة المطلوبة لطهي الطعام وتحرك العربات والماكينات.. ثم يذهب بعد احتراقه إلى الهواء على هيئة غاز ثاني أكسيد الكربون إذا توافر الأكسيجين عند اخترقه، أو على هيئة الغاز الطبيعي أو الميثان إذا لم يتوافر الأكسيجين ، و يتحقق إنتاج الميثان من خلال عالم الكائنات الدقيقة من البكتيريا والفطريات بعد تحليل الفضلات والأجسام بعد موتهـا، ثم يعود إلى البحار و المحيطات عندما تذاب هذه الغازات فى الأمطار أو فى جليد القطبين، وهذا دون أن يختل تركيزه أو توازنه فى الهواء أو الماء أو فى التربة أو الأجسام ، فزيادته فى الهواء يعنى احتراق أجسامنا لقدرته على امتصاص أشعة الشمس و تدفئة الجو إلى أي درجة، و زيادته فى المـاء أو التربة هو زيادة فى الحمضية التي تقتل الحياة ، وزيادته فى الأجسام هو تسممم و حموضة و إهلاك … من ضبط الكميات و حدد التفاعلات وحقق المعدلات … .. ألسنا أمام قدرة قادر و حكمة حكيم و إبداع بديع.. فسبحان الله الذي أعد وجعل الأرض كفاتا ... أعد الدورات و سخر الكميات و علم التسبيحات .

.
التوقيع

رد باقتباس
  #5
  
هيسبيريدس
دراسات عليا
بروفيسور







هيسبيريدس غير متواجد حالياً

افتراضي ختام طيب الكلام - 24-11-2008, 05:28 AM


ثم نأتي إلى عنصر الكالسيوم الذي به تبنى العظام والأسنان وبدونه لن تستقيم أجسامنا أو تنتصب قامتنا.. إنهـا مادة بناء الحجارة وبناء أجسامنا.. وما زالت علومنا قاصرة عن فهم كل الأسرار فى دورة الكالسيوم ومعظمها يعتبره العلماء من العجائب... وتختزن القشرة الأرضية هذا العنصر على شكل ترسبات ركامية فى مركبات من الكربونات وتسمى كربونات الكالسيوم أو الحجر الجيرى، و تمثل 3.5 % من القشرة الأرضية.. ومن غير المعروف كيف تكونت هذه الصخور الركامية من مياه البحار و المحيطات، و إن كان من المتنبأ به دون إثبات فعلى أنه يتم من خلال أنواع من الكائنات الدقيقة الغير معروفة و التي تقوم بتخليص وترسيب هذا العنصر كي يكون متاحا لكل الأحياء على هيئته العنصريه أو الأيونية ، .. وتحمله الأنهـار إلى النباتات من خلال حمله و جرفه مع الأمطار من سفوح الجبال الجيرية ليصل إلى النباتات، و الذي يمتصه بدوره من خلال جذوره الممتدة إلى الأرض، حيث يكون تركيز هذا العنصر فى التربة المروية بالمـاء أكثر من تركيزه داخل النبات فيدخل إليه بالضغط الأوسموزى ويصعد إلى أوراق النبات من خلال ساقه بالخاصية الشعرية ليصنع لنـا غذاء يحتوى على هذا الكالسيوم فى طعامنا، فتبنى به الأجسام و تستقيم به الكثير من العمليات الحيوية وفى الهضم و بناء الأنسجة، ثم يعود هذا الكالسيوم مرة أخرى منع أوراق النباتات المتساقطة و أخشايهـا المندثرة، ومع جثث الحيوانات و فضلاتهـا، لتمتصه مرة أخرى الكائنات الدقيقة و تعيد ترسيبه و إعداده...

وسأكتفي بهذه العناصر.. و لكن لكل عنصر من العناصر الباقية أيضا دورته التي نعلم منهـا القليل و نعجز بالرغم من تطاول البعض عن معرفة الكثير والكثير منهـا.. فللكبريت ندرته و دورته التي تحافظ على بقائه متاحا للأحياء من خلال ما توفره له النباتات، و للفوسفور دورته العجيبة التي تشارك فيهـا أيضاء الأنهـار و البحار والهواء والصخور والأحياء والأموات و النباتات و الحيوانات و الميكروبات و الفطريات، ومثل هذا للألومنيوم والنحاس والكوبالت و.لجميع العناصر الأخرى التي تكون أجسامنا و تحدد أنشطة حياتنا.. ، والحديد أيضا مطلوب لما فيه من بأس شديد فى دماؤنا و أجسامنا بالإضافة إلى حياتنا.. للحديد مثل هذه الدورات ويزيد.. ثم ما زلنـا نجهل عن دورته الكثير و الكثير ويقف العلماء و يعلنوا و يعترفوا أن ما يرونه فى هذه الدورات ما علموا منه وما لم يعلموا .. هو العجيب و البديع و الجليل و العظيم.. ألا نتفق بعد هذا على استحقاق هذا الوادي للمكذبين.. وادي الويل فى قول الحق "ويل يومئذ للمكذبين ".. رحمنا الله وتوفانا مسلمين...

إن من ينظر الأرض و ألوانهـا.. الأزرق الذي يغطى البحار والمحيطات والأصفر الذي يخطى الصحارى و الجبال و الأخضر الذي يغطى الغابات... كل منهـا يمتص أشعة الشمس و يحتفظ للأرض بدفئهـا كي تكون رحما دافئا يضمهـا... المـاء يحفظهـا بالرغم من برودة الجو من فوقه.. فهو يختزنهـا فى أعماق البحـار.. والغابات تختزنهـا من خلال أوراقها الخضراء و تحولهـا لنـا غذاء و طاقة.. و الرمال و نسميهـا أشباه الموصلات تحتفظ للأرض بأشعة الشمس و تنطلق منهـا الكهربات التي تشحن الأرض بالقدرات والمجالات. ولهذا نصنع من مادة الرمل الخلايا الشمسية التي تحول أشعة الشمس إلى تيار كهربي.. كل شيء بحكمة وإنصاف حتى تضمنا الأرض وتكفينـا وتكفلنا...هكذا جعل الله الأرض رحما ثانيا يضمنا مثل الرحم الأول.. جعلهـا كفاتا أحياء و أمواتـا.. ثم تأتى الآيات التالية و تذكرنا كيف استكمل هذا الرحم قدراته ليكون أيضـا قرارا مكينا، فيأتي قول الحق.. و جعلنا فيهـا رواسي شامخات و أسقيناكم ماءا فراتا .. ويل يومئذ للمكذبين و... نعم تذكر الآية التالية "الرواسي الشامخات" التي بقدر شموخهـا بقدر عمق أوتادهـا لترسى لنا بها قشرة هذه الأرض التي نحيا عليهـا.. فلا تميد تحت أقدامنا .. و لا نطير من فوقهـا كما يحدث إذا ذهبنا إلى المريخ أو القمر... فجاذبية القمر أدنى من جاذبية الأرض.. فلا استقرار فوقهـا لنا أو لأنعامنا أو لعرباتننا و متاعنا و أثاثنـا ... و لكن جاذبية الأرض جاءت بالقدر المطلوب لاستقرارنا... فكما أن الأرض رحمـا يضمنا فهي أيضا قرارا مكينا تستقر عليه حياتنا.. فنحن دائما و فى كل لحظة فى حياتنا بعد أن خرجنا من القرار المكين الأول أي من أرحام أمهـاتنا ، فى حاجة لهذه الأرض رحما و قرارا مكينا ... حقا. الفضل فى هذا القرار أو الاستقرار فوق أرض جعلت لنا كفاتا... حقا ... ويل يومئذ للمكذبين.. و بأي حديث بعده يؤمنون... صدق الله العظيم

( جزاك الله كل خير أستاذنا الفاضل/ أ.د. ســلامه عبد الهادي ،و أثقل ميزان حسناتك بهذا العلم النافع )
.
التوقيع

رد باقتباس
  #6
  
ME301
مشرف
بروفيسور
 
صورة عضوية ME301







ME301 غير متواجد حالياً

افتراضي 24-11-2008, 11:07 PM

سورة المرسلات



حتمية يوم القيامة

تخويف الله الكفار من بطشه وانتقامه

أحوال الأشقياء المجرمين

أحوال السعداء المتقين وبعض أحوال المجرمين


بَين يَدَيْ السُّورَة



* سورة المرسلات مكية، وهي كسائر السور المكية تعالج أمور العقيدة، وتبحث عن شؤون الآخرة، ودلائل القدرة والوحدانية، وسائر الأمور الغيبية.



* ابتدأت السورة الكريمة بالقسم بأنواع الملائكة، المكلفين بتدبير شؤون الكون، على أن القيامة حقُّ، وأن العذاب والهلاك واقع على الكافرين {والمرسلات عرفاً * فالعاصفات عصفاً * والناشرات نشراً * فالفارقات فرقاً * فالملقيات ذكراً * عذراً أو نذراً * إِنما توعدون لواقع}.



* ثم تحدثت عن وقت ذلك العذاب الذي وُعد به المجرمون {فإِذا النجوم طمست * وإِذا السماء فرجت * وإِذا الجبال نسفت * وإِذا الرسل أقتت * لأي يومٍ أُجلت * ليوم الفصل * وما أدراك ما يوم الفصل}.



* وتناولت السورة بعد ذلك دلائل قدرة الله الباهرة على إِعادة الإِنسان بعد الموت، وإِحيائه بعد الفناء {ويلٌ يومئذٍ للمكذبين * ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين * كذلك نفعل بالمجرمين* ويلٌ يومئذٍ للمكذبين * ألم نخلقكم من ماءٍ مهين} الآيات.



* ثم تحدثت عن مآل المجرمين في الآخرة وما يلقون فيه من نكال وعقاب {ويلٌ يومئذٍ للمكذبين * انطلقوا إِلى ما كنتم به تكذبون * انطلقوا إِلى ظلٍ ذي ثلاث شعب * لا ظليلٍ ولا يغني من اللهب * إِنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه جمالت صفر ..} الآيات.



* وبعد الحديث عن المجرمين، تحدثت السورة عن المؤمنين المتقين، وذكرت ما أعده الله تعالى لهم من أنواع الإِفضال والإِكرام {إِن المتقين في ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون * كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون * إن كذلك نجزي المحسنين}.



* وختمت السورة الكريمة ببيان سبب امتناع الكفار، عن عبادة الله الواحد القهار، وهو الطغيان والإِجرام {ويلٌ يومئذ للمكذبين * كلوا وتمتعوا قليلاً إِنكم مجرمون * ويلٌ يومئذٍ للمكذبين* وإِذا قيل لهم اركعوا لا يركعون * ويلٌ يومئذٍ للمكذبين * فبأي حديث بعده يؤمنون}.



حتمية يوم القيامة



{وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا(1)فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا(2)وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا(3)فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا(4)فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا(5)عُذْرًا أَوْ نُذْرًا(6)إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ(7)فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ(8)وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ(9)وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ(10)وَإِذَا الرُّسُلُ أقِّتَتْ(11)لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ(12)لِيَوْمِ الْفَصْلِ(13)وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ(14)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(15)}



{وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} أي أُقسم بالرياح حين تهبُّ متتابعة، يقفو بعضها إِثر بعض، قال المفسرون: هي رياح العذاب التي يهلك الله بها الظالمين {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} أي وأُقسم بالرياح الشديدة الهبوب، إِذا أُرسلت عاصفة شديدة، قلعت الأشجار، وخربت الديار، وغيَّرت الآثار {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} أي وأُقسم بالملائكة الموكلين بالسحب يسوقونها حيث شاء الله، لتنشر رحمة الله - المطر - فتحيي به البلاد والعباد {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} أي وأقسم بالملائكة التي تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} أي وأقسم بالملائكة تنزل بالوحي، وتلقي كتب الله تبارك وتعالى إِلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} أي تلقي الوحي إِعذاراً من الله للعباد لئلا يبقى لهم حجة عند الله، أو إِنذاراً من الله للخلق بالنقمة والعذاب {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} هذا هو جواب القسم أي إِنَّ ما توعدون به من أمر القيامة، وأمر الحساب والجزاء، كائن لا محالة، قال المفسرون: أقسم تعالى بخمسة أشياء، تنبيهاً على جلالة قدر المقسم به، وتعظيماً لشأن المقسم عليه، فأقسم بالرياح التي تحمل الرحمة والعذاب، وتسوق للعباد الخير أو الشر، وبالملائكة الأبرار، الذين يتنزلون بالوحي للإِعذار والإِنذار، أقسم على أن أمر القيامة حق لا شك فيه، وأن ما أوعد الله تعالى به المكذبين، من مجيء الساعة والثواب والعقاب، كائن لا محالة، فلا ينبغي الشك والامتراء .. ثم بيَّن تعالى وفصَّل وقت وقوع ذلك فقال {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} أ ي محيت النجوم وذهب نورها وضياؤها {وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ} أي شقت السماء وتصدَّعت {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} أي تطايرت الجبال وتناثرت حتى أصبحت هباءً تذروه الرياح كقوله تعالى {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً} {وَإِذَا الرُّسُلُ أقِّتَتْ} أي جعل للرسل وقتٌ وأجل، للفصل بينهم وبين الأمم، وهو يوم القيامة كقوله تعالى {يوم يجمع اللهُ الرسل فيقول ماذا أُجبتم}؟ وأصل {أُقتت} وُقِّتت من الوقت أي جعل لها وقت محدد، قال الطبري: أي أُجّلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة، وقال مجاهد: هو الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم {لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ}؟ استفهامٌ لتعظيم ذلك اليوم، والتعجيب لما يقع فيه من الهول والشدة أي لأي يومٍ عظيم أُخرت الرسل؟ ثم قال {لِيَوْمِ الْفَصْلِ} أي ليوم القضاء والفصل بين الخلائق، يوم يفصل الله بين الأنبياء وأممهم المكذبين بحكمه العادل {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ}؟ استفهام للتعظيم والتهويل أي وما أعلمك أيها الإِنسان بيوم الفصل وهوله؟ فإِن ذلك اليوم أعظم من أن يعرف أمره إِنسان، أو يحيط به عقل أو وجدان، ووضع الظاهر {مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} مكان الضمير "ما هو" لزيادة تفظيع وتهويل أمره، قال الإِمام الفخر الرازي: عجَّب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال: لأي يومٍ أُجّلت الأمور المتعلقة بهؤلاء الرسل، وهي تعذيب من كذَّبهم، وتعظيم من ءامن بهم، وظهور ما كانوا يدعون الخلق إِلى الإِيمان به، من الأهوال والعرض والحساب، ثم إِنه تعالى بين ذلك فقال {لِيَوْمِ الْفَصْلِ} وهو يومٌ يفصل الرحمن بين الخلائق، ثم أتبع ذلك تعظيماً ثانياً فقال {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} أي وما أعلمك ما هو يوم الفصل وشدته ومهابته؟ وجواب الشرط {فإِذا النجوم} الخ محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: وقع ما توعدون به، وجرى ما أخبركم به الرسل من مجيء القيامة، والحذف على هذه الصورة من أساليب الإِيجاز البياني الذي امتاز به القرآن {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك عظيم وخسار كبير في ذلك اليوم لأولئك المكذبين بهذا اليوم الموعود، قال المفسرون: كرَّر هذه الجملة {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} في هذه السورة عشر مرات لمزيد الترغيب والترهيب، وفي كل جملة وردت أخبارٌ عن أشياء من أحوال الآخرة، وتذكير بأحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كل جملة منها بالويل والدمار للكفرة الفجار، ولما كان - في سورة الإِنسان السابقة - ذكر بعضاً من أحوال الكفار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين هناك، جاء في هذه السورة بالإِطناب في وصف الكفار، والإِيجاز في وصف المؤمنين.




م. عصام بن سعود

التوقيع

ان توقد شمعة خير من تلعن الظلام


رد باقتباس
  #7
  
ME301
مشرف
بروفيسور
 
صورة عضوية ME301







ME301 غير متواجد حالياً

افتراضي 24-11-2008, 11:09 PM

تخويف الله الكفار من بطشه وانتقامه





{أَلَمْ نُهْلِكِ لأَوَّلِينَ(16)ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ(17)كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ(18)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(19)أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(20)فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ(22)فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ(23)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(24)أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا(25)أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا(26)وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا(27)وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(28)انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(29)}



ثم بعد أن أكد الخبر بيوم القيامة، وأنه حق كائن لا محالة، وبعد أن خوَّف المكذبين من شدة هول ذلك اليوم، وفظاعة ما يقع فيه، عاد فخوَّفهم من بطش الله وانتقامه بأسلوب آخر فقال {أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ}؟ أي ألم نهلك السابقين بتكذيبهم للرسل، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود؟ {ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ}؟ أي ثم ألحقنا بهم المتأخرين ممن كانوا مثلهم في التكذيب والعصيان، كقوم لوط وشعيب وقوم موسى "فرعون وأتباعه" ومن على شاكلتهم {كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} أي مثل ذلك الإِهلاك الفظيع نفعل بهؤلاء المجرمين "كفار مكة" لتكذيبهم لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار لكل مكذب بالتوحيد والنبوة، والبعث والحساب {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} تذكير للمكذبين وتعجيب من غفلتهم وذهولهم عن أبسط الأمور المشاهدة، وهي أن من خلقهم من النطفة الحقيرة الضعيفة كان قادراً على إِعادة خلقهم للعبث والحساب والمعنى: ألم نخلقكم يا معشر الكفار من ماءٍ ضعيف حقير هو منيُّ الرجل؟ وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل (ابن آدم أنَّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه) الحديث {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} أي فجعلنا هذا الماء المهين في مكان حريز وهو رحم المرأة {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ} أي إِلى مقدار من الزمن محدَّد معيَّن، معلوم عند الله تعالى وهو وقت الولادة، {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} أي فقدرنا على خلقه من النطفة، فنعم القادرون نحن حيث خلقناه في أحسن الصور، وأجمل الأشكال {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين بقدرتنا، قال الصاوي: هذه الآية تذكير من الله تعالى للكفار بعظيم إِنعامه عليهم، وبقدرته على ابتداء خلقهم، والقادرُ على الابتداء قادر على الإِعادة، ففيها ردٌّ على المنكرين للبعث .. ثم ذكَّرهم بنعمة إِيجادهم على الأرض حال الحياة، ومواراتهم في باطنها بعد الموت فقال {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا}؟ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تعيشون عليها كالأم لكم، تجمع الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها؟ قال المفسرون: الكفت: الجمع والضم، فالأرض تجمع وتضم إِليها جميع البشر، فهي كالأم لهم، الأحياء يسكنون فوق ظهرها في المنازل والدور، والأموات يسكنون في بطنها في القبور {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} قال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} أي وجعلنا في الأرض جبالاً راسخات عاليات مرتفعات لئلا تضطرب بكم {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} أي وأسقيناكم ماءً عذباً حلواً بالغ العذوبة، أنزلناه لكم من السحاب، وأخرجناه لكم من العيون والأنهار، لتشربوا منه أنتم ودوابكم، وتسقوا منه زرعكم وأشجاركم {وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي انطلقوا إِلى عذاب جهنم الذي كنتم تكذبون به في دار الدنيا، وهذا الكلام تقوله لهم خزنة النار تقريعاً وتوبيخاً.



أحوال الأشقياء المجرمين



{انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ(30)لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ(31)إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ(32)كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ(33)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(34)هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ(35)وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ(36)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(37)هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ(38)فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِي(39)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(40)}



ثم وضَّح ذلك العذاب وفصَّله فقال {انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ} أي اذهبوا فاستظلوا بدخانٍ كثيف من دخان جهنم، يتفرع منه ثلاث شعب {لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} أي لا يظل من يكون تحته، ولا يقيه حر الشمس كما هو حال الظل الممدود، ولا هو يدفع عنه أيضاً ألسنة النار المندلعة من كل جانب، قال الطبري: لا هو يظلهم من حرها، ولا يكنهم من لهبها، وذلك أنه يرتفع من وقود جهنم الدخان، فإِذا تصاعد تفرَّق شعباً ثلاثة، قال المفسرون: سمَّى العذاب ظلاً تهكُّماً واستهزاءً بالمعذبين، فالمؤمنون في ظلال وعيون، والمجرمون في سموم وحميم، وظلٍ من يحموم، واليحموم دخانٌ أسود قاتم، فكيف يصح أن يسمى ما هم فيه ظلاً إِلا على طريق التهكم والاستهزاء؟ ثم زاد تعالى في وصف جهنم وأهوالها فقال {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} أي إِن جهنم تقذف بشرر عظيم من النار، كلُّ شرارةٍ منه كأنها القصر العظيم، قال ابن كثير: يتطاير الشرر من لهبها كالحصون {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} أي كأن شرر جهنم المتطاير منها الإِبل الصفر في لونها وسرعة حركتها، قال الرازي: شبَّه تعالى الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة وسرعة الحركة بالجمالات الصفر، وهذا التشبيه من روائع صور التشبيه، لأن الشرارة إِذا كانت مثل القصر الضخم، فيكف تكون حال تلك النار الملتهبة؟ أجارنا الله من نار جهنم بفضله ورحمته {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين بآيات الله {هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ} أي هذا اليوم الرهيب، الذي لا ينطق فيه أولئك المكذبون ولا يتكلمون كلاماً ينفعهم، فهم في ذلك اليوم خرس بكم {وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي ولا يقبل لهم عذرٌ ولا حجة فيما أتوا به من القبائح والجرائم، بل لا يؤذن لهم في الاعتذار، لأنه لا تسمع منهم تلك الحجج والأعذار ولا تقبل كقوله تعالى {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ} أي يقال لهم: هذا يوم الفصل بين الخلائق، الذي يفصل الله فيه بحكمه العادل بين السعداء والأشقياء، جمعناكم فيه مع من تقدمكم من الأمم لنحكم بينكم جميعاً {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِي} أي فإِن كان لكم حيلة في الخلاص من العذاب فاحتالوا، وانقذوا أنفسكم من بطش الله وانتقامه إِن قدرتم، وهذا تعجيزٌ لهم وتوبيخ {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك يومئذٍ للمكذبين بيوم الدين.





أحوال السعداء المتقين وبعض أحوال المجرمين



{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ(41)وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ(42)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(43)إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ(44)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(45)كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ(46)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(47)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ(48)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(49)فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(50)}



سبب النزول:

نزول الآية (48):

{اركعوا ..}: أخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وإذا قيل لهم اركعوا، لا يركعون} قال: نزلت في ثقيف، امتنعوا من الصلاة، فنزل ذلك فيهم. وقال مقاتل: قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أسلموا" وأمرهم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني فإنها مَسَبَّة علينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود".



وبعد أن ذكر أحوال الأشقياء المجرمين، أعقبه بذكر أحوال السعداء المتقين فقال {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ} أي الذين خافوا ربهم في الدنيا، واتقوا عذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم يوم القيامة في ظلال الأشجار الوارفة، وعيون الماء الجارية، يتنعمون في دار الخلد، والكرامة، على عكس أولئك المجرمين المكذبين، الذين هم في ظلٍ من يحموم - وهو دخان جهنم الأسود - الذي لا يقي حراً، ولا يدفع عطشاً، ولا يجد المستظل به مما يشتهيه لراحته سوى شرر النار الهائل {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي وفواكه كثيرة متنوعة مما يستلذون ويستطيبون {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ويقال لهم على سبيل الأنس والتكريم: كلوا أكلاً لذيذاً واشربوا شرباً هنيئاً، بسبب ما قدمتم في الدنيا من صالح الأعمال {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ} أي إِنا مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من أحسن عمله، وأخلص نيته، واتقى ربه {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار للمكذبين بيوم الدين {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} أي يقال للكفار على سبيل التهديد والوعيد: كلوا من لذائذ الدنيا، واستمتعوا بشهواتها الفانية، كما هو شأن البهائم التي همُّها ملء بطونها ونيل شهواتها زماناً قليلاً الى منتهى آجالكم، فإِنكم مجرمون لا تستحقون الإِنعام والتكريم {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاك ودمار يوم القيامة للمكذبين بنعم الله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} أي وإِذا قيل لهؤلاء المشركين صلُّوا لله، واخشعوا في صلاتكم لعظمته وجلاله، لا يخشعون ولا يصلون، بل يظلون على استكبارهم يصرون، قال مقاتل: نزلت هذه الآية في ثقيف، امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حطَّ عنا الصلاة فإِنا لا ننحني، إِنها مسبة علينا، فأبى وقال: لا خير في دينٍ لا صلاة فيه {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي هلاكٌ ودمار يوم القيامة للمكذبين بأوامر الله ونواهيه {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؟ أي فبأي كتابٍ وكلام بعد هذا القرآن المعجز الواضح يصدّقون إِن لم يؤمنوا بالقرآن؟ فإِذا كذبوا بالقرآن ولم يؤمنوا به، مع بلوغه الغاية في الإِعجاز، ونصوع الحجة، وروعة البيان، فبأي شيءٍ بعد ذلك يؤمنون؟ قال القرطبي: كرر قوله {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} عشر مراتٍ للتخويف والوعيد، وقيل: إِنه ليس بتكرار، لأنه أراد بكلِّ قولٍ منه غير الذي أراده بالآخر، كأنه ذكر شيئاً فقال: ويلٌ لمن يكذب بهذا، ثم ذكر شيئاً آخر فقال: ويل لمن يكذب بهذا، وهكذا إِلى آخر السورة الكريمة.





م. عصام بن سعود

التوقيع

ان توقد شمعة خير من تلعن الظلام


رد باقتباس
المشاركة في الموضوع


مستخدمين موجودين حالياً يشاهدون الموضوع: 1 (0 أعضاء و1 ضيوف)
 
خيارات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع كتابة ردود جديدة
لا تستطيع إرفاق مرفقات في مشاركاتك
لا تستطيع تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل



ليبيا أكسبريس

  تطوير » مستر ويب
  Powered by: vBulletin Version 3.5.4
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.

تصميم.::Prof::.