انتشار الموجات الكهرومغناطيسية
تتكون الموجة الكهرومغناطيسية من مجال كهربائي وآخر مغناطيسي متعامدان على بعضهما البعض في الفضاء ويتغيران بشكل دوري مع الزمن وبحيث تنتشر الموجة باتجاه يتعامد مع اتجاهي المجالين الكهربائي والمغناطيسي حسب قاعدة معينة.
وتنتشر الموجات الكهرومغناطيسية في الأوساط المختلفة بسرعة ثابتة تتحدد من قيم السماحية الكهربائية permittivity والنفاذية المغناطيسية permeability للوسط المعني حيث تساوي معكوس الجذر التربيعي لحاصل ضرب السماحية في النفاذية ، وتبلغ سرعة الانتشار في الفضاء الحر ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية تقريبا وهي نفس سرعة الضوء في الفراغ والذي ما هو إلا أحد أشكال الموجات الكهرومغناطيسية كما اكتشف ذلك ماكسويل.
إن سرعة انتشار الموجات في أي وسط لا يمكن أن تزيد عن سرعتها في الفراغ لأن قيم السماحية والنفاذية لهذه الأوساط أعلى من قيمهما في الفراغ.
وعندما تنتشر موجة كهرومغناطيسية في وسط ما فإن المسافة بين قمتين من قممها مقاسة بالأمتار يسمى طول الموجة wavelength والتي تساوي حاصل تقسيم سرعة إنتشار الموجة على ترددها frequency.
إن نسبة شدة المجال الكهربائي إلى شدة المجال المغناطيسي في الموجة الكهرومغناطيسية يسمى المعاوقة المتأصلة intrinsic impedance والتي تساوي الجذر التربيعي لحاصل قسمة النفاذية على السماحية للوسط الذي تنتشر فيه هذه الموجة.
ويعرف إستقطاب الموجة wave polarization بأنه الإتجاه الذي يشير إليه مجالها الكهربائي في الفضاء وعند إتخاذ سطح الأرض كمرجع فإن الموجة تكون عمودية الإستقطاب vertical polarization إذا كان اتجاه مجالها الكهربائي عموديا على سطح الأرض وأفقية الإستقطاب horizontal polarization إذا كان إتجاه مجالها الكهربائي موازيا لسطح الأرض.
وتسير الموجات الكهرومغناطيسية في الفراغ أو في أي وسط متجانس على شكل خطوط مستقيمة ولكنها قد تتعرض لظواهر عدة عند انتقالها من وسط إلى وسط وهي ظواهر الإنعكاس reflection ، والإنكسار refraction ، والحيود diffraction ، والتشتت scattering ، فعند انتقال موجة كهرومغناطيسية من وسط إلى وسط بينهما حد منتظم غير متعرج فإن جزءا من هذه الموجة سينعكس راجعا في الوسط الذي جاء منه وبحيث تساوي زاوية الإنعكاس زاوية السقوط بينما ينفذ الجزء المتبقي من الموجة الساقطة إلى الوسط الثاني ويسير فيه بشكل منكسر حيث تتحدد زاوية الإنكسار من زاوية السقوط وكذلك معاملات الإنكسار refractive index لكلا الوسطين حسب قانون سنل Snell's Law.
وإذا ما سقطت موجة على وسط ذي سطح متعرج فإن الإنعكاس لن يكون في اتجاه واحد بل في اتجاهات متعددة وتسمى هذه الظاهرة بظاهرة "
التشتت".
وعندما تسقط موجة على جسم له أبعاد تقل عن طول الموجة فإن هذه الموجة لن تتأثر كثيرا بوجود هذه الجسم بل ستحيد عنه وتكمل مسارها وتسمى هذه الظاهرة بظاهرة "
الحيود".
والجدير بالذكر أن جميع المعادن لا تسمح بالموجات الكهرومغناطيسية بالنفاذ من خلالها بل تعكسها كليا إلى الوسط الذي جاءت منه وعليه فإنه لا يمكن إستقبال أو إرسال هذه الموجات من داخل مباني جدرانها وأسقفها من المعادن ، وبما أن معظم أنظمة الاتصالات الكهربائية تعمل على سطح الأرض الكروية الشكل وكذلك ضمن الغلاف الجوي المحيط بها والذي تتغير خصائصه بشكل مستمر مع تغير الليل والنهار وتغير الفصول فإنها تتعرض في الغالب إلى عدد من الظواهر بعضها ذا فائدة كبيرة لبعض أنظمة الاتصالات وبعضها الآخر يقلل من حسن أدائها ، ومن هذه الظواهر انعكاس الأمواج عند ارتطامها بالأرض وبعض طبقات الغلاف الجوي مما يؤدي إلى تغيير اتجاه انتشارها ومنها انكسار الأمواج عند انتقالها من طبقة إلى طبقة أخرى في الغلاف الجوي وهناك ظاهرة الحيود حيث تقوم بعض الأمواج بتخطي بعض العوائق الطبيعية وتكمل مسارها وهناك الفقد الناتج عن امتصاص مكونات الغلاف الجوي لبعض طاقة الأمواج وهناك التبعثر الناتج عن ارتداد جزء من الموجة عند ارتطامها بمنطقة غير متجانسة في الغلاف الجوي. ويمكن تقسيم الموجات من حيث طريقة انتشارها فوق سطح الأرض وضمن الغلاف الجوي إلى ثلاثة أنواع وهي الموجات السطحية والسماوية والفضائية.
الموجات السطحية أو الأرضية
Surface or Ground Waves
تعرف الموجات السطحية أو الأرضية بأنها تلك التي تسير ملاصقة لسطح الأرض وينحي مسار انتشارها مع انحناء سطح الأرض ويعود السبب في ذلك إلى ظاهرة حيود الموجات الكهرومغناطيسية حول سطح الأرض الكروي الشكل.
وقد وجد العلماء أنه كلما قل تردد الموجة الراديوية كلما ازداد حيودها وتسير بذلك مسافات طويلة ملاصقة لسطح الأرض ، وعلى العكس من ذلك فكلما ازداد ترددها كلما قل حيودها حيث تختفي ظاهرة الحيود حول الأرض تدريجيا عند بداية نطاق الترددات العالية (ما يزيد عن 3 ميغاهيرتز) ، أي أن ظاهرة الحيود تظهر بشكل واضح في الترددات المتوسطة والمنخفضة وما دونها.
ولقد تم الاستفادة من هذه الظاهرة لبناء أنظمة اتصالات بعيدة المدى كأنظمة البث الإذاعي التي تعمل في نطاق الترددات المتوسطة والتي قد تصل تغطيتها لعدة آلاف من الكيلومترات وكذلك في أنظمة الاتصالات البحرية التي تعمل في نطاق الترددات المنخفضة وتصل تغطيتها لعشرات آلاف من الكيلومترات ، إلا أن عيبها يكمن في حاجتها لقدرات بث عالية نظرا للفقد الذي تتعرض له الموجة من قبل امتصاص بعض طاقتها من قبل سطح الأرض وعادة ما يستخدم الاستقطاب العمودي في هذه الموجات للتقليل من أثر الفقد وذلك لكون اتجاه المجال الكهربائي عموديا على سطح الأرض.
الموجات السماوية
Sky Waves
يستفيد هذا النوع من الموجات من وجود مناطق عالية التأين في طبقات الجو العليا يطلق عليها اسم طبقات الأيونسفير Ionosphere layers والتي تمتد في الجو من خمسين كيلومتر إلى ما يزيد عن أربعمائة كيلومتر فوق سطح الأرض ، ويعود السبب في ظهور هذه الطبقات لتأين ذرات الهواء المختلفة من الإشعاعات القادمة من الشمس وخاصة الأشعة فوق البنفسجية ولذلك فإن هذه الطبقات تكون عالية التأين عند منتصف النهار وقليلة التأين أثناء الليل حيث تختفي الطبقات القريبة من الأرض تماما. وتعمل هذه الطبقات على رد بعض أنواع الأمواج الراديوية الموجهة إليها من محطات البث الأرضية ثانية إلى الأرض حيث تتحدد قوة الموجة المنعكسة على زاوية السقوط وارتفاع الطبقة التي عملت على ردها وكذلك درجة تأينها. ولحسن الحظ أن طبقة الأيونسفير لا تعكس إلا الترددات الواقعة في نطاق الترددات العالية وما دونها (أقل من 30 ميغاهيرتز) وإلا لما كان بإمكاننا استخدام الأقمار الصناعية في أنظمة الاتصالات الحديثة.
ولقد تم الاستفادة من طبقة الأيونسفير في بناء أنظمة اتصالات بعيدة المدى حيث يتم توجيه هوائيات الإرسال باتجاه طبقة الأيونسفير بزاوية محددة فتنعكس الأمواج عنها باتجاه منطقة أخرى على سطح الكرة الأرضية وتصل تغطية مثل هذه الأنظمة لعدة آلاف من الكيلومترات ، وتعمل أنظمة البث الإذاعي ذات الترددات العالية (الموجات القصيرة) بناء على هذا المبدأ ولكن عيبها أنها لا تعمل إلا في أوقات زمنية محددة وذلك بسبب تغير خصائص طبقة الأيونسفير مع تغير موقع الشمس التي هي المسبب الرئيس في عملية تأين هذه الطبقات.
الموجات الفضائية
Space Waves
الموجات الفضائية هي تلك الموجات التي تسير في خطوط مستقيمة فلا تستطيع الأرض أن تحيدها عن مسارها المستقيم ولا تتمكن طبقة الأيونسفير كذلك من اعتراض طريقها بل تنفذ من خلاله دون فقد يذكر. وتشمل هذه الموجات جميع الترددات التي تزيد عن 30 ميغاهيرتز أي نطاق الترددات العالية جدا وما فوقها. ونظرا لأن هذه الموجات تسير في خطوط مستقيمة فلا بد من توفر ما يسمى بخط النظر بين هوائي الإرسال وهوائي الاستقبال line of sight لإتمام عملية الاتصال بينهما ، ونعني بخط النظر بين الهوائيين أنه لو تم مد خط مستقيم بينهما فيجب أن لا ينقطع هذا الخط بأي عائق مادي يحول دون وصول الأمواج من هوائي الإرسال إلى هوائي الاستقبال ، وبسبب أن الأرض كروية الشكل فيجب أن لا تزيد المسافة بين الهوائيين عن مسافة محددة وإلا انقطع خط النظر بينهما نتيجة لتبعج الأرض بينهما.
وتتحدد مسافة الإرسال القصوى بين الهوائيين من ارتفاع كل منهما عن سطح البحر والذي يساوي ارتفاع موقع الهوائي عن سطح البحر مضافا إليه طول الهوائي وكذلك من ارتفاعات الجبال الواقعة بينهما ، ولقد وجد عمليا أن المسافة القصوى بين الهوائيات لا تتجاوز في الغالب مائة كيلومتر وذلك نتيجة للصعوبات الفنية والاقتصادية في بناء أبراج عالية للهوائيات.
إن هذا التحديد في المسافة القصوى بين الهوائيات ليس عائقا دون بناء أنظمة اتصالات بعيدة المدى بين المدن وبين الدول طالما أنه لا يوجد عوائق طبيعية كالبحار والمحيطات تفصل بينها وذلك باستخدام ما يسمى بالأنظمة متعددة القفزات multihop.
يتكون نظام الاتصالات متعدد القفزات من مرسل رئيس موجود عند مصدر المعلومات ومستقبل رئيس موجود عند مورد المعلومات ومن عدة محطات تقوية تسمى المعيدات repeaters حيث يستقبل المعيد الإشارة الضعيفة من هوائي الاستقبال ويقوم بتكبيرها ثم يبثها بهوائي الإرسال باتجاه المعيد الذي يليه وهكذا حتى تصل الإشارة للمستقبل الرئيس ، أما بخصوص الدول التي يفصل بينها عوائق طبيعية كالمحيطات مثلا فلم يكن بالإمكان استخدام الأمواج الفضائية في أنظمة الاتصالات إلى أن تم استخدام الأقمار الصناعية كمعيدات معلقة في السماء في عام 1957م ، وتستخدم هذه الموجات الفضائية في أنظمة البث التلفزيونية وفي البث الراديوي بتعديل التردد وفي أنظمة الهواتف الخلوية وفي معظم وصلات أنظمة الاتصالات كما في أنظمة اتصالات الأمواج الدقيقة وأنظمة الأقمار الصناعية والرادارات وأنظمة الاتصالات الفضائية.
.